ابو القاسم عبد الكريم القشيري

580

لطائف الإشارات

قوله : « وَلَدَيْنا كِتابٌ يَنْطِقُ بِالْحَقِّ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ » : لولا غفلتهم عن مواضع الحقيقة لما خوّفهم بكتابة الملك ، ولكن غفلوا عن شهود الحق فخوّفهم باطلاع الملائكة ، وكتابتهم عليهم أعمالهم . قوله جل ذكره : [ سورة المؤمنون ( 23 ) : آية 63 ] بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ مِنْ هذا وَلَهُمْ أَعْمالٌ مِنْ دُونِ ذلِكَ هُمْ لَها عامِلُونَ ( 63 ) لا يصلح لهذا الشأن « 1 » إلا من كان فارغا من جميع الأعمال ، لا شغل له في الدنيا والآخرة ، فأمّا من له شغل بدنياه ، أو على قلبه حديث عقباه ، فليس له نصيب من حديث مولاه ، وفي الخبر « نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس الصحة والفراغ » . ويقال أصحاب الدنيا مشغولون بدنياهم ، وأرباب العقبى مشغولون بعقباهم ، وأهل النار مشغولون بما ينالهم من بلواهم ؛ وإن الذي له في الدنيا والآخرة غير مولاه - حين الفراغ - عزيز ؛ قال تعالى : « إِنَّ أَصْحابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فاكِهُونَ » « 2 » . قوله جل ذكره : [ سورة المؤمنون ( 23 ) : آية 64 ] حَتَّى إِذا أَخَذْنا مُتْرَفِيهِمْ بِالْعَذابِ إِذا هُمْ يَجْأَرُونَ ( 64 ) إنه - سبحانه - يمهل ولكنّه لا يهمل ؛ فإذا أخذ فبطشه شديد ، قال تعالى : « إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ » « 3 » . . . فإذا أخذ أصحاب الكبائر - حين يحل بهم الانتقام - في الجواب ردّوا في الهوان ، ويقال لهم : [ سورة المؤمنون ( 23 ) : آية 65 ] لا تَجْأَرُوا الْيَوْمَ إِنَّكُمْ مِنَّا لا تُنْصَرُونَ ( 65 ) فإذا انفصل من الغيب حكم فلا مردّ لتقديره .

--> ( 1 ) ( هذا الشأن ) يقصد به طريق رباب الأحوال ( 2 ) آية 55 سورة يس . ( 3 ) آية 12 سورة البروج .